قد تضع خطة ممتازة لتعلم مهارة، ثم تمر بأسبوع تنشغل فيه بأزمة سكن أو ضغط عمل فتتراجع الخطة كلها. وقد ترى شخصًا يواصل الرسم أو الدراسة رغم ظروف صعبة. كيف نفهم الحالتين دون أن نحول البشر إلى قاعدة واحدة؟
يقدم تصور أبراهام ماسلو للاحتياجات مدخلًا للتفكير في دوافعنا. لكنه يصبح أقل فائدة عندما نعامله كسلم لا يسمح لأحد بالصعود إلا بعد إنهاء الدرجة السابقة بالكامل. الأفضل استخدامه لتوسيع أسئلتنا عن ظروف الشخص، مع مراجعة النص الأصلي وحدود ما نستنتجه منه.
ماذا اقترح ماسلو فعلًا؟
عرض ماسلو في مقال «نظرية في الدافعية الإنسانية» عام 1943 خمس مجموعات من الاحتياجات: الفسيولوجية، والأمان، والحب والانتماء، والتقدير، وتحقيق الذات. اقترح أن الحرمان الشديد من احتياج أكثر إلحاحًا قد يجعله يطغى على غيره. لكنه ذكر أيضًا الإشباع الجزئي وتعدد الدوافع والاستثناءات في الترتيب. لذلك لا يشترط التصور الأصلي اكتمال كل مستوى بنسبة مئة بالمئة قبل ظهور غيره. المصدر الأصلي.
هذه خلاصة للنموذج التاريخي، وليست حكمًا بأن خمس مجموعات تفسر كل سلوك أو تسمح بقياس قيمة الإنسان.
كيف نفهم المجموعات الخمس؟
تشمل الفسيولوجية حاجات مثل الطعام والماء، ويتصل الأمان بالاستقرار والحماية، والانتماء بالعلاقات والقبول، والتقدير بالاحترام والكفاءة، وتحقيق الذات بتنمية الإمكانات. هذه أسماء لمجالات واسعة، وقد تجتمع دوافع متعددة في الفعل نفسه: العمل مثلًا يمكن أن يرتبط بالدخل والعلاقات والإتقان معًا.
بدل البحث عن «المستوى الذي وصلت إليه»، يمكنك أن تسأل: ما الاحتياج الذي لا أراه في تفسيري لهذا الموقف؟ بقية الأمثلة والأسئلة في المقال تطبيقات توضيحية من إعدادنا، وليست أدوات تشخيص أو مقاييس وضعها ماسلو.
مثال في العمل: هل المشكلة غياب الطموح؟
تخيل موظفًا لا يشارك في مبادرة تطويرية. التفسير السريع أنه لا يحب التعلم. لكن قبل تثبيت الحكم، اسأل عن شروط المشاركة: هل موعدها يتعارض مع مناوبته؟ هل يخشى أن يُلام إن تأخر عمله الأساسي؟ هل يعرف ما المطلوب منه؟ وهل سبق أن عوملت أسئلته بسخرية؟
قد تكشف الأسئلة مشكلة تنظيمية، وقد يتضح أنه غير مهتم بالمبادرة نفسها. فائدة النظر إلى الاحتياجات هي فتح احتمالات للفحص، لا اختيار عذر مسبق أو افتراض أنك تعرف مشاعر الموظف من سلوكه الظاهر.
إذا كنت مسؤولًا عن التدريب، ابدأ بتوضيح الوقت المتاح ومخرجات التعلم وطريقة طلب المساعدة. ثم اطلب رأيه في العوائق بدل أن تصمم برنامجًا للتحفيز قبل فهم ما يعطله. قد يكون التغيير المطلوب أصغر وأكثر تحديدًا مما تتصور.
مثال في التعلم: خطة تناسب ظروفك الحقيقية
لنفترض أنك اخترت ساعة للدراسة كل مساء، لكنها تقع في أكثر أوقات البيت ازدحامًا. بعد أيام قد تبدأ في وصف نفسك بأنك غير منضبط. قبل إصدار هذا الحكم، جرب مراجعة البيئة: هل توجد مساحة أهدأ؟ هل يمكن أن تبدأ بجزء أقصر؟ هل تحتاج إلى الاتفاق مع الأسرة على وقت محدد؟
اكتب ما تملكه فعلًا من وقت وموارد، ثم صمم الخطوة التالية بناء عليه. إن لم تستطع تغيير الظروف، قد يساعدك تحديد هدف مؤقت أصغر، مثل إتمام تمرين واحد بدل درس كامل. هذا اقتراح تنظيمي؛ لا يضمن وحده الاستمرار، ولا يحول أي عائق كبير إلى مجرد مسألة تخطيط.
لماذا يضللنا الترتيب الجامد؟
عندما نتصور أن الإنسان لا يهتم إلا بمجال واحد في كل مرة، قد نستبعد أهدافًا لها معنى عنده. قد يحتاج شخص إلى دخل أكثر استقرارًا، وفي الوقت نفسه يقدر وقتًا يقضيه مع أصدقائه أو نشاطًا فنيًا يعتز به. لا نحتاج إلى إجباره على الاختيار بين كونه محتاجًا وكونه صاحب اهتمامات متعددة.
وفي الاتجاه الآخر، لا ينبغي استخدام قصص من أنجزوا رغم الظروف لإنكار أثر تلك الظروف على الآخرين. تجربة شخص واحد لا تحدد ما يستطيع الجميع تحمله. الأسئلة المفيدة تتعلق بما يساعد هذا الشخص في هذه الحالة، بدل تحويل الحكاية الاستثنائية إلى معيار للمحاسبة.
استخدام النموذج في إدارة فريق
يمكن أن تستعين بالمجموعات الخمس بوصفها قائمة تذكير في مراجعة تجربة العمل. ابدأ بالظروف الأساسية ثم اسأل عن وضوح القواعد والعلاقات والتقدير وفرص التطور. لكن اجعل الإجابات مفتوحة، ولا تطلب من الأفراد وضع أنفسهم داخل صندوق واحد.
مثلًا، إذا اشتكى الفريق من كثرة التعديلات، فقد تحتاج إلى سؤال عن تعريف المهمة وآلية اعتمادها قبل تقديم كلمات تشجيع. وإذا اشتكى من غياب فرص التعلم، فاطلب أمثلة على المهارات والفرص التي يقصدها. ربط السؤال بواقعة محددة يجعل التغيير أكثر قابلية للملاحظة من الحديث العام عن رفع الحماس.
اتفق على إجراء واحد، مثل تحديد مسؤول اعتماد النسخة النهائية أو تخصيص وقت معلوم للتدريب. بعد فترة راجع أثره مع الفريق. لو لم يتحسن الوضع، لا تفترض أن الموظفين لم يقدروا جهودك؛ ربما كان تفسير المشكلة أو الإجراء نفسه يحتاج إلى تعديل.
تمرين شخصي: افصل بين الحاجة والحل الأول
اكتب موقفًا يشغلك في جملة وصفية، مثل: «أتردد في عرض أفكاري أثناء الاجتماع». ثم اكتب ثلاثة تفسيرات ممكنة دون أن تختار أحدها فورًا: ربما تحتاج إلى إعداد أكثر، أو تخشى أسلوب التعليقات، أو لا ترى مساحة مناسبة للكلام.
اختر سؤالًا يمكن أن يميز بين هذه الاحتمالات. قد تتحدث إلى من يدير الاجتماع، أو تجرب إعداد نقطة واحدة مسبقًا، أو تطلب فرصة قصيرة لعرضها. سجل ما تغير. التمرين لا يقيس مستوى احتياجاتك، لكنه يساعد على الانتقال من وصف عام إلى مشكلة قابلة للفهم والعمل.
أخطاء شائعة عند تداول الهرم
- وصف أشخاص بأنهم «في أسفل الهرم» كما لو كان ذلك مرتبة اجتماعية أو حكمًا على نضجهم.
- تفسير رفض طلب معين بأنه دليل على نقص احتياج تعرفه أنت دون سؤال صاحبه.
- استخدام النموذج لتبرير تجاهل العلاقات والتقدير بحجة أن الأجر وحده يكفي.
- تقديم قائمة الاحتياجات كأنها اختبار يكشف سبب كل مشكلة بصورة نهائية.
في كل حالة، عد إلى وصف الموقف وما تعرفه عنه فعلًا. وجود نموذج مشهور لا يعفيك من السؤال والإنصات ومراجعة افتراضاتك.
الخلاصة
يمكن لتصور ماسلو أن يذكرك بأن الدافعية مرتبطة بحياة الشخص وظروفه، وأن كلمة «كسل» قد تغلق النقاش مبكرًا. استخدمه لطرح أسئلة أفضل، وابدأ بإجراء يناسب المشكلة التي تأكدت منها. أما موقعك في رسم هرمي، فليس نتيجة تحتاج إلى استخراجها من حياتك.
الخلاصة في سطر: هرم ماسلو يذكّرنا بأن حاجات مختلفة تحرك دوافعنا، لكنه ليس سلّمًا صارمًا يفسر كل سلوك أو يحدد موقعك في الحياة.
المصدر
Maslow, A. H. (1943). A Theory of Human Motivation. Psychological Review, 50, 370–396. النص الكامل. الأمثلة والتمارين التطبيقية في هذا المقال من إعداد جادالحق.
تفضّل المشاهدة على القراءة؟
أفكار مشابهة بشرح سريع في فيديوهات قصيرة على مصفوفة النجاح — يوتيوب، تيك توك، وتليجرام.




